Newroz

 

نوروز

تقرير سياسي

 

 موقع نوروز 1/7/2004

أظهرت أحداث آذار الدامية ، التي عمت مختلف المناطق الكردية ارتباكاً واضحاً في موقف السلطة وتعاملها مع الملف الكردي . ورغم ما يشاع من تباين مزعوم بين تياراتها في قضية الإصلاح والتغيير ، فإن ذلك التباين لم يتوضح بالنسبة للموضوع الكردي . فرغم الشهادة الرئاسية بتبرئة تلك الأحداث من التدخل الخارجي والاعتراف بأصالة القومية الكردية كجزء أساسي من النسيج الوطني السوري ، وخلقت في حينه ارتياحاً ملحوظاً في الوسط الكردي عموماً ، فإن التعميم المنسوب للقيادة القطرية لحزب البعث ، والمبلّغ شفهياً عن طريق الأجهزة الأمنية بخصوص حظر النشاط السياسي للأحزاب الكردية ، جاء مترجماً لذلك الارتباك ، ومخيباً للآمال المعقودة على الانفراج بالنسبة لمعاناة الكرد التاريخية . فبعد أن كان الجميع – ومنهم الأكراد – بانتظار بعض التدابير والإجراءات الإصلاحية ، ومنها على الجانب الكردي ، إعادة الجنسية إلى ضحايا الإحصاء الاستثنائي في محافظة الحسكة بناء على تصريحات السيد الرئيس ، فوجئت الحركة الكردية بهذا التعميم الذي لم يملك أية فرصة لإمكانية التنفيذ حتى في ظل أعتى الأنظمة وأكثرها شوفينية ، مما يؤكد مدى الإشكاليات التي سببتها تلك القيادة لنفسها في إصدار هذا التعميم ، الذي سيكون من شأن العمل به ، في كل الأحوال بالنسبة للأحزاب الكردية ، اتخاذ تدابير تجنبها المساءلة تحت غطاء القانون  ، مما يحرمها من الشفافية وشبه العلنية التي ميزت نسبياً أساليب عملها في المرحلة السابقة . أما بالنسبة للسلطة ، فإن مثل هذا التعميم غير القابل للتنفيذ ، يبرر لها احتمالات القيام بحملات الاعتقال التي تسيء إليها قبل أن تسيء للمعتقلين الأكراد . ومن جهة أخرى ، فإن التعميم المذكور يلقى الاستهجان والاستنكار من قبل الرأي العام ، كونه يصدر من قيادة حزب البعث ، مما يشكل سابقة لم تشهدها علاقات دولة مع مواطنيها ، حيث يقدم حزب ، مهما تكن طبيعته ، على حظر النشاط السياسي لأحزاب أخرى . وبمعنى آخر ، فهو غير صادر عن جهة مخولة قانونياً ،أي من إحدى الجهات الرسمية في الدولة ، كما لا يوجد قانون لتنظيم عمل الأحزاب ، وبالتالي ، لا توجد مرجعية تتلقى وتستلم طلبات الترخيص ، لتبيح لهذا الحزب أو ذاك ممارسة النشاط السياسي ، الذي يحظر في هذه الحالة على الأحزاب التي لم تستوف الشروط المطلوبة في هذا القانون المفترض ...

   وعلى هذا الأساس وغيره ، أقرّ مجموع الأحزاب الكردية مواصلة نشاطها السياسي الحزبي ، انطلاقاً من حق شعبنا الكردي ، بخصوصيته القومية وأصالة انتمائه الوطني ، في أن تكون له حركة سياسية ، تجسد آماله وطموحاته ، وتعبر عن واقعه ومعاناته ، وتدافع عن مصالحه ، وتناضل من أجل تأمين حقوقه القومية الديمقراطية ، وتتصدى لكل المحاولات الرامية إلى تشويه تاريخه ودوره الوطني ، والساعية إلى ربط ، أي تحرك مقاوم للمشاريع العنصرية أو مدافع عن الحقوق القومية ، بالخارج الأجنبي أو الكردستاني .

   ويبدو واضحاً أن تعاظم حجم القضية الكردية وتصاعد نضال الحركة الكردية وأدائها الموزون خلال الأحداث التي بدأت في 12 آذار 2004م ، ومحاولات الحد من دورها الملحوظ في الحراك السياسي الديمقراطي ، وقطع الطريق أمام توجهها الجاد نحو تأطير نضالات أطرافها ، وأمام إمكانية استثمارها لأي تطور إيجابي إقليمي ، هي التي تقف وراء إصدار هذا التعميم . كما أن تداعيات الوضع العراقي والاتهامات الموجهة لدول الجوار ، ومنها سوريا ، في تسهيل العمليات الانتحارية ، وتوجس السلطة من استخدام الورقة الكردية كوسيلة للضغط عليها ، أضافت عاملاً آخر في تبرير مثل هذا التعميم كتدبير استباقي في نظرها ... لكن هذه الأوهام لا تستطيع أن تخفي وراءها الأسباب الحقيقية ، فقد سعت الجهات الشوفينية دوماً إلى إثارة الشارع العربي وإلهائه بالخطر الكردي المزعوم ، وهي منذ أحداث 12 آذار الدموية ، تنفخ في هذا البالون ، وتبيّت نوايا عدوانية ضد الكرد وتصور قضيتهم كقضية أمنية ، بهدف تحويل أنظار الرأي العام السوري عن حقيقة الأوضاع المتأزمة في البلاد ، والتهرب من استحقاقات الإصلاح والتغيير ، وهذا يعيد للأذهان ما أقدمت عليه حكومة الانفصال في أوائل الستينات من إقرار مشروع الإحصاء وتأليب العرب ضد الأكراد ، لتغطي بذلك على جريمة الانفصال المدانة وطنياً .

   فموضوع الإصلاح والتغيير بات مطلباً ملحاً ، ولا يقلل من أهمية الدعوة إليه ما تمارسه الإدارة الأمريكية وغيرها من ضغوط في إطار سياساتها ومصالحها الخاصة ، تلك التي توجت بإقرار قانون محاسبة سوريا الذي يجب أن تنظر إليه السلطة ، رغم التشكيك بنواياه ، كحافز للتصحيح والتغيير ، لا أن يكون مدخلاً للمساومة مع الأمريكان أو مهرباً من دفع تلك الاستحقاقات . فرغم عدم قبول مبدأ الإصلاح من الخارج ، فإن الحاجة إليه داخلياً ، يجب أن تلغي كافة الحجج التي تتذرع بها السلطة لإطالة أمد التخلف والجمود ، فليس من الحكمة رفض الإصلاح لمجرد أن الولايات المتحدة تطالب به ، أو المراهنة في ذلك على مجرد تعثر أمريكا في العراق ، لأن الرهان على عدم الاستقرار في العراق لن يدوم طويلاً ، خاصة وأن العراق سوف يتمتع بقسط كبير من السيادة اعتباراً من الأول من تموز المقبل ، مما سيكون من شأنه تضيق هامش المناورة أمام القوى المعارضة للحكومة الجديدة التي حظيت بمباركة مجلس الأمن ، الذي لم يتطرق في قراره لقانون إدارة الدولة ، الذي يضمن حماية خصوصية الوضع الكردي في إطار السماح لثلاث محافظات بالاعتراض على بند يخصها من بنود الدستور الدائم . ورغم ذلك ، فإن البرلمان الكردستاني وافق على استمرار المشاركة في الحكومة الانتقالية بتمثيل غير منصف ، واكتفى بالضمانات التي قدمها كل من رئيس الدولة ورئيس الوزراء العراقي في هذا المجال . لكن ، تبقى الضمانة الأساسية في المستقبل هي وحدة الموقف الكردي هناك ، وتسريع الخطوات العملية لتوحيد الإدارتين استعداداً لتجسيد قرار الفيدرالية ، وتوحيد الإرادات الوطنية في مواجهة التحديات التي تمثلها التدخلات الإقليمية في الشأن الداخلي العراقي ، ومنها التدخل الإيراني من خلال امتداده الداخلي في الجنوب والمتمثل بتيار الصدر ، الذي استخدمته إيران للحصول على دور ما في مستقبل العراق ، وعرقلة الجهود الرامية إلى إقرار الفيدرالية ، والتخفيف من الضغوطات التي تواجهها إيران بشأن برنامجها النووي . ومن الطبيعي أن تخلق التدخلات الإيرانية تلك مزيداً من التوجس لدى السعودية وتركيا ، فالسعودية تتخوف من احتمالات قيام كيان شيعي على حدودها مما سيشجع الأقلية الشيعية في المنطقة الشرقية على التمرد ، ويدعم الدور الإقليمي لإيران في الخليج ، وهي تستعد الآن لاستقبال قوات أمريكية لمواجهة النفوذ الإيراني من جهة ، ودعم حملتها المتواصلة في مكافحة الإرهاب الأصولي الذي نشط مؤخراً في المملكة من جهة أخرى . أما تركيا ، فهي من جانبها تعتبر إيران خصماً إقليمياً ، كما تعتبر تدخلها في الشأن العراقي خطاً أحمر ، رغم تلاقيهما في قمع إرادة الأكراد هناك في التمتع بالفيدرالية ، لكن التطورات الأخيرة تشير إلى تحول ملموس في الموقف التركي ، حيث تم افتتاح قنصلية تركية في أربيل ، وخفت نسبياً لهجة العداء التركية ، وأقدمت الحكومة التركية على منح الأكراد بعض الحقوق الثقافية في إطار الالتزام بشروط الانضمام للاتحاد الأوربي ، حيث سمحت باستخدام اللغة الكردية رسمياً لأول مرة في الإذاعة والتلفزيون الرسمي ، وأطلقت سراح عدد من المعتقلين السياسيين الأكراد منذ عام 1994م وفي مقدمتهم المناضلة الكردية ليلى زانا ، ويعتبر ذلك رغم تعبيراته البسيطة مقدمة يمكن أن تبني عليها الحركة الكردية والناشطون الأكراد لتأمين المزيد من الحقوق القومية بالأساليب الديمقراطية السلمية الممكنة ، واستثمار الهوس التركي في الانضمام للاتحاد الأوربي ، الذي توسع شرقاً ليضم 25 دولة ، وسيكون من شأن الالتزام التركي بشروطه ، تحسين سجل تركيا في مجال حقوق الإنسان ، وتمكين الشعب الكردي من التمتع بحقوقه الثقافية ، والمحافظة على هويته وحقوقه القومية .

أواخر حزيران 2004

                                                                                                 اللجنة السياسية

                                     لحزب الوحدة الديمقراطي الكردي في سوريا (يكيتي)

عودة