|
15/2/2006 «صلصال» رواية سمر يزبك: صراع الجلاد والضحية ابراهيم حاج عبدي الحياة - 07/02/2006 تقول سمر يزبك في روايتها الثانية «صلصال» (دار شرقيات، القاهرة - 2005) الكثير عن الحب والألم والقمع والخيبة والعزلة. صوت أنثوي جريء ومطمئن يجهر بما هو مسكوت عنه، ويتوسل بالسرد شكلاً آخر للحياة، فـ «الحياة ليست ما يعيشه أحدنا، وإنما هي ما يتذكره، وكيف يتذكره، ليرويه»، بتعبير ماركيز. تصغي صاحبة «طفلة السماء» إلى الصدى القادم من البعيد. من قرى مترعة بالخوف والقسوة على الساحل السوري حيث «كانت الجبال صديقاً وحيداً لطائفة دينية عانت، على مدى قرون، من سطوة رجال السلطنة العثمانية». الكاتبة المنحدرة من تلك الضفاف، تقرأ، الآن، دفاتر الذاكرة. تختار من اللوحة الصاخبة وقائع رسمت ملامح المشهد السياسي والاجتماعي السوري منذ أربعينات القرن المنصرم حتى اللحظة الراهنة الحرجة. وهي إذ تدون، باختزال، هذا التاريخ المضطرب، فإنها، توثق، بإسهاب، «الذاكرة الحالكة» لسلالة عريقة رحل أفرادها جميعاً، ولم يبق منها غير بطل الرواية الذي وهب للكاتبة، قبل رحيله أيضاً، هذه الصفحات. شخصيتان تحتلان بؤرة السرد: حيدر العلي وعلي حسن. وعلى رغم التناقض بينهما في المنشأ والسلوك والتربية غير أن نداء سرياً غامضاً جمعهما، منذ طفولة بعيدة، فأقسما على صداقة أبدية ستكشف الأيام زيفها. انتسب الاثنان إلى الكلية الحربية، وأصبحا ضابطين. ولئن حقق علي حسن بهذا الإنجاز طموحه الذي لا يعرف الحدود، فإن ذلك شكل مأزقاً لحيدر سليل المجد، «العاشق كحيوان بري» يرفض أن تروضه الحياة العسكرية. قدم استقالته و «حزم حقيبته وألماً في القلب». رحل عن دمشق السخية بالمتع عائداً إلى قريته الوديعة، ليعيش في عزلة ليلية غامضة، بعدما يمضي سحابة النهار في الأحراش والدروب باحثاً عن طريدة لن تسمع في أي يوم، وخلال ثلاثين عاماً، صوت طلقة من بنــدقيته «الرحــيمة». على رغم التباينات بين الشخصيتين، فإن سحر النصور «الفواحة بالألق، ذات العينين الشهلاوين المسترخيتين بعذوبة ندية حد البكاء»، أضرمت في قلبيهما نيران العشق. تزوجت من حيدر وأنجبت له طفلة (ستكون رهام، آخر عنقود سلالة العلي)، لكن قبلة عابرة واحدة قطفها علي حسن من شفتي سحر غيرت مسار حياة الشخصيات. حيدر يلم شتات روحه الهائمة في غرفة زرقاء ضيقة يضمها قصر العائلة الباذخ المنيف، بينما بقي علي حسن ضابطاً يزيد عدد النجوم على كتفيه. يراكم الثروة، ويسعى إلى تكريس مقولات السلطة الرسمية باحثاً، كانتهازي عاش ضمن أسرة معدمة عن السلطة والمال والحب. رهام ابنة حيدر، وفادي ابن علي حسن يعيشان، بدورهما، قصة حب عارمة يقضي عليها والد الفتى في مهده. يسافر العاشق، ليترك العاشقة وسط حياة بائسة إذ يصاحبها شعور دائم بالانتقام. تجني ثروة طائلة، وتأسر قلوب الرجال لكنها تفشل في أمنية أخيرة وهي أن تستقر في منزل مشرف على البحر يجمعها مع والدها حيدر. رحيل الأب يحول دون تحقيق رغبة رهام في صنع ذكريات مع والدها، لعلها وحدها كانت قادرة على نزع شعور الحرمان من قلبها. عثرت بدلاً من ذلك على أوراق صفراء أخيرة «مهترئة، غير واضحة، مختلفة الترتيب والتاريخ، ممزقة» كقلبها الممزق الآن بين يدي قاتل أحلامها علي حسن. تتداخل الأزمنة في شكل دائري مغلق في رواية يزبك المروية بضمير الغائب، فهي تنأى عن الأسلوب الكلاسيكي التقليدي الذي تتصاعد خلاله حدة الدراما لتصل في الصفحات الأخيرة إلى الذروة. إنها تلجا إلى تقنية تقودها إلى أزمنة مختلفة، والى أمكنة عديدة لتنجح عبرهما في التقاط تفاصيل الصراع القائم بين الضحية والجلاد منذ مئات السنين. حيدر هو الرمز الخالد للضحية، بينما علي حسن هو رمز الجلاد. في أوراق حيدر، المدرجة بضمير المتكلم في متن النص، نعثر على أكثر من إشارة على انه ضحية تاريخ يمتد من عصر الوالي الأموي الحجاج بن يوسف الثقفي صاحب المقولة الشهيرة «إني أرى رؤوساً قد أينعت وحان قطافها»، ليصل إلى زمن علي حسن حيث «العسس تحت الشبابيك. العسس في دور العبادة وفي المراقص... في عيون الجيران... وتحت نقاب حور العين...». وعلى رغم تبدل الأزمنة والمراحل فان هذه الثنائية تبقى حاضرة. تتسرب صداها إلى هذا الزمن الذي يخنق صوت المرأة الجميلة «دلا» التي أحبت، مخدومها حيدر «أمير الحكايا الحزين. رفيق الأحراش، والهذيانات الدائمة عن الحرائق، والدماء، والقصص الغريبة» كغرابة حبها الحزين، الصامت الذي لم يتح لها فرصة، على مدى ثلاثة عقود، لعناق الحبيب. كان موته نهاية سعيدة لامرأة عاشقة، إذ أتاح لها «التمعن في تفاصيل حيدر للمرة الأولى في حياتها». اقتربت من الجسد البارد، بوجل، وحلقت معه، كفراشة خفيفة، في سماء موت مشتهى. إن اهتمام الكاتبة بالحكاية التي تتشعب باتجاه مصائر ملتبسة، وحيوات مقهورة وجدت في «صلصال» منبراً للبوح، لا يشغلها عن الاعتناء باللغة. اللغة في «صلصال» ليست وسيلة لنقل الوقائع فحسب. الاهتمام بجمالية اللغة انتج نصاً يرتقي حيناً ليلامس عذوبة الشعر، ويخفت أحياناً ليسجل بصدق بساطة الحوارات. الرواية مرثية عذبة لقـــصص عشق كثـــيرة نبـــتت في أرض مالحة أججت مزاج الحب واغتالته. وهـــي وفي مستوى آخر رسالة إدانة واحتجاج ضد ســـنوات القهر والقمع والسجون والمنافي والأحكام العرفية وقانون الطوارئ، سنوات شوهت بنية المجتمع السوري، ولقنته مقولات «الرسالة الخالدة» التي اختزلت الثقافة بكل رحابتها وتنوعها إلى لون باهت ووحيد. وهي تضمر بين سطورها، في مستوى أقل وضوحاً، نقداً للثقافة الذكورية السائدة، إذ تنتـــشل المرأة من هامش الواقع إلى متن النـــص، عــبر التركيز على شخصية دلا التي تعد نموذجاً للمرأة التي عانت عبر القرون. «صلصال» تعد إضافة حقيقية إلى الأدب الروائي السوري لما تتمتع به من خصوصية في شكلها الفني والجمالي ومن قدرة على الإحاطة بحيثيات المشهد السياسي والاجتماعي خلال العقود الثلاثة الماضية. ومع هذا فان الكاتبة لا تثقل لغتها بالخطابة والأيديولوجيا، كما قد يتبادر للذهن، بل هي تدرك كيف تسبك خيوط العمل الذي لا يمكن أن يضل الطريق إلى القارئ. وهي تنجح – على رغم تشابك السرد، والتركيز على بيئة بسيطة غارقة في المحلية - في إسناد خطاب خاصّ رفيع المستوى إلى شخصية البطل الأقرب إلى تلك الشخصيات التراجيدية المحطمة المفعمة بالحكمة والقريبة للقلب، والتي «لا تطلب أكثر من حياة هادئة في زمن هادئ». |
|
الصفحة الرئيسية | أخبار | جريدة الوحـدة | جريدة الوحـدة pdf | التقارير السياسية بيانات وتصريحات | مختارات | إصدارات | وثائق | شؤون المرأة | أدب وفن | الأرشيف | من نحن |
|
Rûpela despêkê - Nûçe - Rojnama Newroz pdf - Daxuyan - Gotar - Wêje û Huner - Kovara pirs pdf - Agirî - Dûse - Em kîne |
|
Despêk 6-ê Gulana 2004-an copyright© 2004-2005 yek-dem.com [Newroz] |