NEWROZ

نوروز


18 /4 /2008

جرائم القتل والثأر تحصد أرواح العشرات سنويا في الحسكة، هل من رادع ؟

محي الدين عيسو*

كثرت في السنوات الأخير في محافظة الحسكة جرائم القتل بداعي الثأر مما فقد العديد من العائلات أناس كانوا من أرباب المنازل ومسئولين عن تأمين لقمة العيش لأطفالها، وبالرغم من أننا لا نملك إحصائية رسمية لعدد الذين فقدوا حياتهم، وعدد العائلات التي هاجرت خوفا من الانتقام والقتل، ونتحفظ على ذكر أسماء الأشخاص أو العائلات التي ارتكبت جريمة القتل أو من قامت بأخذ الثار نتيجة للظروف الاجتماعية في المحافظة، والحساسية البالغة عند طرح هكذا مواضيع اجتماعية،ولكننا سنحاول دراسة الموضوع من جوانب أخرى أكثر فائدة من الأرقام والإحصائيات والأسماء....  

فهذه الجرائم ليست وليدة اللحظة إنما هي قديمة قدم التاريخ ومتجددة  نتيجة للعلاقات الاجتماعية القائمة على العادات البالية والتقاليد العشائرية التي تربط أفراد العشيرة بعضهم ببعض، حيث تكون العشيرة فوق الدولة وفوق القانون، وعادة ما يتم تهجير للعائلات التي ترتكب جرم القتل, ومن ثم تتم الملاحقات من قبل أهالي القتيل في مختلف المدن السورية حتى يتم (اخذ الثأر), والدولة تنتظر وقوع الحدث ومن ثم توقيف القاتل, دون المحاولة أو القدرة لدرء هكذا جرائم، أضف إلى ذلك أن التطور التقني وانتشار الفضائيات لم يستطع من الحد من هذه الجرائم، من يتحمل مسؤولية هذه الجرائم؟ أهو القانون أم المجتمع أم هو شيء فوق إرادة البشر وكيف يمكن معالجتها أو إزالتها من مجتمعاتنا والتي - إن لم نبالغ فيها - باتت تهدد السلم الاجتماعي وتزرع في نفوسنا الحقد والكراهية بدلا من السلم والوئام والمحبة، وكيف يمكن أن نقضي نهائيا وبشكل حاسم على جميع أشكال التفكك الاجتماعي من أجل تعزيز وحدة المجتمع ووحدة الدولة كمؤسسة، بحيث يتم تجاوز الزمن الذي كان الفرد ملكا للأسرة أو للقبيلة,ويصبح مواطنا تابعا للدولة له حقوق وعليه واجبات....

لا بد من سيادة القانون والوعي الاجتماعي

الكاتب والشاعر "إبراهيم اليوسف" عبر عن رأيه بالموضوع بالقول حقاً إن جرائم القتل بدعوى الثأر باتت تستفحل في مجتمعنا، بوتائر أعلى، في السنوات الأخيرة، وهي بالتالي مؤشر سلبي على  مسألتين: أولاها سيادة القانون، وثانيتهما درجة الوعي الاجتماعي

وطبيعي إن سيادة القانون، والثقة به، هي قبل كل شيء من مسؤولية السلطة السياسية،  حيث بات هناك اغتراب كبير بين القانون والواقع،  في ظل  الفساد المهيمن  على القضاء، حيث ما أكثر ما  يتم  تحويل الضحية إلى مجرم، والمجرم إلى ضحية، وهو ما يدفع بالمواطن ومن جديد لاستحضار " قانون القبيلة"  نفسه، كي يثأر  لقريبه بنفسه،  وثمة أمثلة صارخة، أليمة على كل ذلك، دفعت ضريبتها أسر بريئة، وأزهقت أرواح  غالية، بكل أسف.....!

طبعاً ، إن درجة الوعي الاجتماعي لها علاقة أكيدة بما يتم من تجاوزات في هذا المجال، حيث  أن هيمنة  ثقافة – القبيلة- على  ذهنية المجتمع،  تجعله يعود القهقرى آلاف السنوات الضوئية إلى الوراء، كي  نتكبد  باستمرار أرواحاً بريئة، ولاسيما حين يتم الثأر من أحد أقرباء الجناة،  أو حتّى من أبناء قبيلته، دون حصرها في شخصه،  ومن هنا فإن من يرتكب أحد أفراد أسرته، أو أقربائه، جريمة ما فإن عشرات، بل مئات الأسر، تدفع ضريبتها، جوعاً، وفقراً، وهجرة،  وقلقاً، وخوفاً، بل و إنه يتم ابتعاد  حتى أطفال وأبناء هؤلاء  عن مدارسهم وجامعاتهم، بل ووظائفهم ومقار عملهم.....!

ويكمل الأستاذ " إبراهيم " حديثه بالقول أنه لعلّ السلطة مطالبة  لمواجهة كل ذلك أن  تعيد الثقة بالقضاء،  وتطويق مثل هذه الحالات، بحصر الجريمة بشخص المجرم، وحده، كي ينال جزاء قضائياً، و تحصين ذوي المطلوب، وتأمين الحماية القانونية لهم، ونشر ثقافة الحب، وإعادة الثقة بين صفوف المجتمع، وهو مالا يمكن  إنجاحه  إلا عبر  تضافر جهود شتى المؤسسات المدنية والإعلامية، والحقوقية، وهو ما يجعلها وجهاً لوجه أمام  مهمة إعادة النظر في جملة هذه الأمور،  لنشر الطمأنينة في صفوف المجتمع ، كي تتعزز سيادة القانون، وليغدو القانون المرجع الأول والأخير لمواطننا، بعد كل هذا الاغتراب الذي عاشه على امتداد فترات طويلة، في ظل الفساد العمودي والأفقي المستشري رغماً عن أنف مواطننا الذي لا حول له ولا قوة.......!

دور الدولة هو المطلوب رقم واحد

تقول الصحفية الكردية " لافا خالد " أن المجتمع الكردي كما البيئات السورية المختلفة لا زال يعيش تحت ركام العادات والتقاليد المتخلفة التي يتنامى دورها  بالرغم من التطورات المذهلة التي تشهدها قريتنا الكونية ,  الانتقام  والثأر هما سيد الموقف  ويتخذ مرجعية شرعية له منطلقا من مفهوم العشيرة ، والولاء المطلق لها و لرئيسها ودعم تلك العشيرة للرجل القاتل أو الذي يريد الأخذ بثأره ، والغياب التام لتدخل القانون في حسم هكذا قضايا خلافية  والتي تحصد سنويا أرواحا كثيرة دونما مبرر معقول والثأر لا زال  يشكل منظومة قيمية ومفاهيمية تؤثر تأثيراً فاعلاً في عموم البيئة الكردية  التي لا تأخذ بالاعتبار جوانب كثيرة في الموضوع  بحيث يمكن حل الخلاف بين الطرفين المتنازعين بطرق أكثر رقيا , شخصياً عايشت  حادثتي ثأر الأولى : كانت على قطعة أرض زراعية صغيرة جدا  حصد  أرواح ثمانية أشخاص منهم سيدات وشباب وأرباب عائلات في خلاف بسيط حول من له الحق في امتلاك تلك القطعة  بعد أن شردت الرصاصات الطائشة والمتقصدة عشرات العائلات بعضها فرّ إلى أوربا هربا من غابة البشر , والحادثة الثانية أغلقت آخر فصولها بقتل الشخص رقم واحد  في العائلة أو القاتل نفسه  وسبقه طبعا أخوة وأبناء عمومة له في الانتقام منهم  إلى أن وصلته النفس البغيضة ونالت منه غيلة بالرغم من إنه قضى عقوبة ثماني سنوات على ( تنكة بصل ) انتهت تلك الحادثة المؤسفة  بالعديد من الضحايا , كل تلك الجرائم حدثت ولم يتدخل أحد لحسم الخلاف  والجهة الأكثر وجوبا بحضورها وهي السلطات المختصة دورها مغيب تماما في إيقاف هذا النزيف في بيئة تعيش أصلا حالة احتقان وتغييب لوجودها ودورها على مختلف الصعد الاقتصادية والاجتماعية لا بل تعيش حالة تهميش كبيرة  فدور الدولة هو المطلوب رقم واحد التي عليها أن تفرض قانونا يسري على الجميع ولا أحد فوق القانون  والتنبيه بخطورة قضايا الثأر التي تزعزع كيان المجتمع والدولة إذا لم يجد مقترفوها من يوقفهم عند , مع ضرورة أن نتحلى بروح التسامح بما  يتماشى مع تطلعاتنا لبناء مجتمع مدني متحضر في منظومته القيمية عنوانه  مجتمع  مدني راقي سياسيا واقتصاديا واجتماعيا لا  سلطة فيها سوى للقانون وحده.

رأي قانوني

المحامي " فلمز خليل " تحدث من الناحية القانونية حول هذا الموضوع بالقول أن الأخذ بالثأر ظاهرة قديمة جداً في مجتمعاتنا، وهي متجذرة في عاداتنا وتقاليدنا وأعرافنا، ومن المؤسف أن التطور الكبير الجاري في مجالات الحياة المتعددة لم تمنع المجتمع من الاعتقاد والإيمان بهذه الظاهرة، ويمكن أن نسميها ظاهرة القتل العبثي التي تنتشر بكثرة في المجتمعات التي يغلب عليها الطابع القبلي والعشائري، ولم يذكر المشرع السوري لا من بعيد ولا من قريب جريمة الثأر في أي نص من نصوصه، وهذا يعني أنها جريمة كأي جريمة قتل أخرى، فيمكن أن يكون القتل فيها قصداً حيث يتواجه القاتل والمغدور به بدون موعد مسبق وبدون ترتيبات وهو ما نصت عليه المادة ( 533 ) ويعاقب مرتكبها بالاشغال الشاقة من ( 15 – 20 ) سنة، ويمكن أن يكون الفعل عمداً حسب المادة ( 535 ) عقوبات ويعاقب عليه بالإعدام وهو يقوم على عناصر متعددة كالتصميم المسبق على القتل وتهيئة أدوات الجريمة وتنفيذها بهدوء نفسي بعيداً عن عوامل الاضطراب والغضب.

وحول قيام بعض الأطفال باقتراف هذه الجريمة يقول المحامي " فلمز خليل " بأنه غالباً، ما يلجأ الأهل لدفع أحد أطفالهم لارتكاب هذه الجريمة للاستفادة من تخفيف العقوبة وفقاً للقانون السوري، حيث يختلف الوضع القانوني استناداً إلى عمل الطفل القاصر فالمادة ( 2 ) من قانون الأحداث نصت على أنه لا يلاحق جزائياً الحدث الذي لم يتم العاشرة من عمره حين ارتكاب الفعل، وغالبا ما يستعمل القاضي سلطاته التقديرية ويخفف العقوبة استناداً إلى ظروف الجريمة وأسبابها وملابساتها، وشخصية الفاعل والدافع إلى الفعل، وطبيعة المجتمع الذي وقع فيه الجرم، حيث لا يزال هذا الفعل الإجرامي مرتبطاً بالكرامة في معظم المجتمعات القبلية والعشائرية.        

الإنسان العاقل هو الإنسان الجبان

يقول الكاتب "إبراهيم زورو" إن الثأر في المجتمعات البدائية أو العشائرية يعتبر حقاً طبيعياً يجب أخذه حسب المفاهيم المتخلفة السائدة، وينعدم ذلك في مجتمع مدني كونه يعتبر جريمة كبرى يحاسب عليها في القانون بأشد العقوبات، والأخذ بالثأر بمعنى ما هو غياب للعقل لأنه – أي العقل – لا يحبذ أن يضع نفسه في غير مكانه، وأنه يرأب بنفسه في الدخول إلى هذه المتاهات التي تؤذيه وتقصيه عن ثيموسيته " وجوده "، والعقل دائماً يبحث عن حلول لمشاكله لا أن يدخل نفسه في مأزق ليس مأزقه، ولا يجب أن نردع بالقوة والقتل من أساء ألينا من أبناء مجتمعنا، فالإنسان العاقل هو إنسان جبان بمعنى من المعاني، والثأر مشكلة كبيرة ومن يقدم على هذه الجريمة يكون فاقداً لوعيه، فقتل الفرد جريمة اجتماعية يجب أن يحاسب حسب القانون وليس عن طريق أخذ الثأر الذي يعتبر جد شنيعة وأشد جريمة من القتل الذي يحدث في المرة الأولى لأنه يتم عن سابق تصميم وإرادة، حيث يجب علينا دائماً البحث عن مشاكلنا وعلاجها بطريقة عقلانية بعيداً عن العنف والقتل الذي يحرمنا متعة الحياة وجمالها ويؤدي إلى هلاك عائلات بأكملها.  

ختام الكلام  

لا يختلف اثنان يملكان قليل من العقل بأن الأوضاع المعيشية في هذه المحافظة، المنسية على الخارطة السورية، تسبب الكثير من المشاكل والأمراض الاجتماعية، وتجعل من ارتباط الفرد بالعائلة والعشيرة أكثر من ارتباطه بالدولة وبالقانون والذي يفترض أن يكون على الجميع وفوق الجميع، ومن الممكن أن تتحول هذه الآفة الخطيرة إلى ثقافة اجتماعية عندما تصبح كعقيدة راسخة داخل وجدان كل فرد في المجتمع إذا لم يتم معالجتها بتضافر كل الجهود التي تسعى لبناء مجتمع خالي من الأمراض الاجتماعية ويرسخ مبادئ التسامح بين أبناء المجتمع الواحد.  

* كاتب وناشط حقوقي سوري

الصفحة الرئيسية | أخبار | جريدة الوحـدة | جريدة الوحـدة pdf | التقارير السياسية

بيانات وتصريحاتمختارات | إصدارات | وثائق | شؤون المرأة | أدب وفن | الأرشيف | من نحن

Rûpela despêkê - Nûçe - Rojnama Newroz pdf - Daxuyan - Gotar - Wêje û Huner - Kovara pirs pdf - Agirî - Dûse - Em kîne

Despêk 6-ê Gulana 2004-an

copyright© 2004-2005 yek-dem.com [Newroz]